فرصة التغيير لدى أوباما لعلها تمر عبر لاروش
بقلم أحمد القديدى
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية
24 فبراير 2009
أكدت عديد وكالات الأنباء العالمية وآخرها الوكالة الهندية والوكالة الإيطالية بأن عالم الاقتصاد الأمريكي ليندن لاروش من المتوقع أن يكون من بين مستشاري الرئيس أوباما في مسائل الأمن القومي وشؤون الأزمة الاقتصادية الراهنة، (ويا حبذا لو يكون مستشارا في السياسة الخارجية الأمريكية لأن مواقف الرجل مناقضة جذريا لسياسات بوش وتخبطاته وتعصبه الإنجيلي الوهمي). وهذا الأمر وارد الإحتمال بعد المساندة التي قدمها السيد لاروش للسيدة هيلاري كلينتون أملا في أن تكون هي أو المرشح باراك أوباما وريثين حقيقيين للرئيس الراحل فرنكلين روزفلت الذي يشكل مدرسة تاريخية في التصدي لأزمة 1929 العاتية والعودة بالولايات المتحدة لدورها الأخلاقي الدولي كعامل توازن وريادة في عالم محفوف بالمخاطر و التحديات.
والأمر متوقع أيضا بعد الجلسات المطولة التي دعا خلالها فريق أوباما الاقتصادي المؤقت (قبل التنصيب الرسمي ليوم 20 يناير) السيد لاروش ليستنير بآرائه و يطرح عليه جملة من الأسئلة حول الخروج من الأزمة. وليس السيد لاروش غريبا عن جهاز الحكم في واشنطن لأنه سبق أن شارك أثناء ولاية الرئيس ريغان في بلورة مشروع (حرب النجوم) أي برنامج الصواريخ المضادة للصواريخ حينما كان الإتحاد السوفييتي قائما و قويا قبل إنهياره المعروف. كما أن السيد لاروش إحتفظ بتقدير وصداقة الزوجين بيل و هيلاري كلينتون طيلة الولايتين (1993-2001).
السيد لا روش هو الوحيد الذي أنذر العالم من إنهيار النظام النقدي الدولي وشخص الداء كما أنه الوحيد الذي وصف العلاج منذ عشرين عاما برؤية نادرة من استشراف المستقبل واستباق الأزمات، و أصبح اليوم مرجعا أمريكيا و دوليا وللخبراء والساسة حتى يتخذوا القرارات الجذرية والتأسيس لنظام اقتصادي واستراتيجي عالمي يعوض (بريتن وودس) ويقوم على العدل والأمن والتعاون بين أمريكا والصين وروسيا والهند ومد شبكات الطرقات والجسور والاتصالات وإسناد التواصل بين الأمم إلى فلسفة حضارية مختلفة بإنهاء الإستغلال والنهب ثم حل الأزمات الكبرى بالإحتكام للقانون الدولي وأولها أزمة الشرق الأوسط بالكف عن الدعم المجنون المغامر لسياسات إسرائيل لأنها في تحليله أصبحت تهدد الأمن والسلام العالميين وتتحول إلى بؤرة من العنف والقتل والإبادة العرقية كما وقع في غزة منذ أسابيع.
كما أن السيد ليندن لاروش من أنصار سيادة الأمم على ثرواتها و خياراتها وعدو لدود للاقتصاد المؤسس على الربا وتجارة الأوهام وإحلال الإفتراضيات محل الواقع الملموس مقاوم بلا هوادة لتلاعبات المضاربين لأنه ما فتأ يدعو لاقتصاد عالمي يقوم على الإنتاج الفعلي للثروة والتشغيل والعدل والرفاه والتكنولوجيا والتجارة، ومكافحة استبداد وأمبريالية المصارف والشركات عابرة القارات التي تتحكم في رقاب البشرية وتتمعش من الحروب و تتمول من المخدرات.
هذه المواقف يعبر عنها السيد لاروش منذ ثلاثين عاما من خلال مجلته الشهرية القيمة (إكزكتيف أنتليجنس ريفيو) وأسبوعيته العالمية التي تصدر بثلاث لغات (نيو سوليداريتي) وفي نشرته الخاصة الموجهة للنخب الحاكمة ( ستراتيجيك ألرت) وأيضا عبر الأحزاب الأمريكية والأوروبية التي تنحدر من أفكاره و تدعو إلى سماع صوته. وهي مواقف تشكل بالضبط ما يطمح إليه الرئيس الجديد من تغيير، أي التغيير الذي أعلن قطيعة كاملة مع سياسات المحافظين الجدد لدى بوش وتشيني. وقد أفصح السيد لاروش خلال الأسابيع الأخيرة في مؤتمرات سياسية وصحفية بأنه مستعد للعمل مستشارا للإدارة الجديدة كرجل صاحب خبرات وتجارب قد يحتاجها الرئيس باراك أوباما من أجل إنقاذ الولايات المتحدة من إنهيار اقتصادها وإنحدار سمعتها وضياع إشعاعها بعد ولايتين للرئيس بوش تحكم فيهما ديك تشيني وورط الدولة العظمى في حروب وأزمات ومطبات لا يبررها شيء، واعترف بوش ذاته بأن حروبه كانت تبعا لمعلومات مغلوطة و تقديرات سيئة!
ليندن لاروش عرفته شخصيا منذ ما يربو عن الثلاثين سنة وزرته عديد المرات في بيته بضواحي واشنطن وفي بيته الألماني قرب فيزبادن والتقيته مرات لا تحصى في عواصم أوروبية خلال مؤتمرات اقتصادية و سياسية عالمية و شارك معي في عدة لجان دولية منها اللجنة العالمية لإطلاق سراح المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي وعملت معه ومع السيدة هلجا زوجته ضمن الهيئة العالمية لمناهضة الألعاب الإلكترونية العنيفة التي تغرس في أطفالنا غريزة القتل والتدمير. وما أزال أعتقد أنه أحد الشخصيات الأمريكية الأبعد رؤية والأعدل موقفا والأقرب إلى قضايا الإنسان المستضعف في العالم والأقدر بالتالي على إعادة الإعتبار للأمة الأمريكية التي فقدت خلال العشرية الماضية ما تبقى لها من هيبة و احترام. و أنا لا أقنط البتة من إمكانية تعديل السياسة الأمريكية الخارجية إزاء القضايا العربية لأن هذا الإحتمال ممكن جدا، إذا ما أدركنا نحن العرب بعض السبل المؤدية إلى ذلك، فلا يكفي أن نكون على حق بل يجب أن نعرف كيف نفرض ذلك الحق في مجال العلاقات الدولية الذي يفرض فيه أعداؤنا الباطل.