لقد مني جناح الحرب في إدارة بوش بانتكاستين سياسيتين قاسيتين بخصوص خططهم الرامية لإشعال مواجهات عسكرية جديدة في منطقة جنوب غرب آسيا. إن خطر حرب جديدة في الخليج لم ينتهي بعد، لكن احتمالات حرب دائمية في خزان النفط العالمي في الخليج قد تقلصت للمرة الأولى منذ سنين.
أولا، كان مؤتمر القمة في انابولس نجاحا، ولو مشروطا، قد سلب نائب الرئيس ديك تشيني فرصة استغلال انهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية للضغط من أجل قصف إيران فورا. وكما وصف مصدر استخباراتي مطلع في واشنطن الأمر على أن "مؤتمر انابوليس لم يفشل، وهذا بحد ذاته يعتبر نجاحا متواضعا".
وتذكر مصادر قريبة من نائب الرئيس الأمريكي أنه كان مستاءا جدا من انعقاد مؤتمر انابوليس ومن قيام وزارة الخارجية الأمريكية بتوجيه دعوة للحضور إلى أحد أشد أعداء تشيني من بين "الدول المارقة"، سوريا. والأدهى من ذلك أن السوريين قبلوا الدعوة وحضروا. وأضافت تلك المصادر أن تشيني كان يتأمل أن يؤدي فشل المؤتمر في انابوليس إلى تدمير مصداقية وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في نظر الرئيس بوش، وتحطيم أي أمل في التوصل إلى صفقة سلام عربية إسرائيلية، وأخيرا إعادة إحياء ذريعة تشيني بأنه يجب ضمان "الميراث الرئاسي" لبوش من خلال القضاء كليا على الطموحات النووية الإيرانية عسكريا.
ثانيا، تم في يوم 2 ديسمبر وبعد انتظار طويل نشر تقييم الاستخبارات القومية (National Intelligence Estimate) الخاص بالمجتمع الاستخباراتي الأمريكي والذي كان يجري التحضير له لأكثر من 18 شهرا من قبل مدير الاستخبارات القومية، متضمنا الإكتشاف الرئيسي المفاجيء بأن إيران قد أوقفت جهودها النووية العسكرية في خريف عام 2003 ومن المرجح أنها لم ترجع إلى العمل فيه حتى صيف 2007.
ولقد أكدت مصادر في واشنطن لمجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو أن قرار البيت الأبيض إطلاق ذلك التقرير الاستخباراتي عن البرنامج النووي الإيراني الذي يحتوي على خمس صفحات للنشر العلني تتضمن الاكتشافات، جاء جزئيا كنتيجة لتخوفات البيت الأبيض من أنه لو استمرت إدارة بوش في إخفاء التقرير فإنه سيتسرب قريبا إلى وسائل الإعلام الوطنية مسببا بذلك فضيحة أكثر تدميرا من تسريب أوراق البنتاجون في عهد الرئيس نكسون. إن نشر مختصر الاكتشافات الذي رفعت عنه السرية قد أدى للحظة الراهنة إلى إحداث ثغرة إخرى في خطط تشيني لقصف إيران قبل أن تغادر هذه الإدارة البيت الابيض.
إن نائب الرئيس نفسه أعترف تقريبا بأن البيت الأبيض أجبر على نشر التقرير أمام الملأ، وهو التقرير الذي يعبر عن تقديرات 16 وكالة استخبارات حكومية أمريكية، تحت ضغط صادر من المجتمع الاستخباراتي الأمريكي. وشرح تشيني في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة "كابيتول هيل جورنال بوليتيكو" في 5 ديسمبر الموقف قائلا: "كان هناك اعتقاد سائد بيننا جميعا أنه من المهم إطلاق التقرير – أنه لم يكن من المحتمل بقاؤه سريا لفترة أطول على أية حال". وعند سؤاله بشكل مباشر وصريح حول امكانية تسريب تقييم الاستخبارات القومية (في حال إبقائه سريا)، أجاب تشيني: "كل شيء يتسرب".
ووفقا للمصادر، كان موظفون كبار في المجتمع الاستخباراتي الأمريكي قد بينوا أن هناك أناسا مستعدون للذهاب إلى السجن إذا تطلب الأمر من أجل كشف ما جاء في التقييم الاستخباراتي القومي من اكتشافات ومن أجل تفادي قصف غير مبرر لإيران، وأنه لو أستمرت الإدارة في إعاقة نشر التقرير فإن ذلك سيؤدي إلى إشعال جولة جديدة من الحرب السياسية التي ستضع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في مواجهة البيت الأبيض. وحسب وصف موظف سابق في الاستخبارات لمجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو "لكانت تلك ستصبح أكثر دموية بكثير من فضيحة فاليري بلايم".
من الحقائق المعروفة على نطاق واسع هي أن القيادات العليا للجيش الأمريكي ووزير الدفاع روبرت غيتس يعارضون أي هجوم عسكري على إيران. لقد تم إكمال مسودات تقييم الاستخبارات القومية منذ عدة شهور، وتذكر مصادر لمجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو أن هذه المسودات تمت إعادتها للمراجعة بسبب جهود تشيني بشكل رئيسي لمنع ظهور أية اكتشافات قد تؤدي إلى قطع الطريق أمام خططه الحربية.
بالتزامن مع نشر التقييم الاستخباراتي القومي، نشرت مجلة نيوزويك تقريرا مفصلا عن وزير الدفاع غيتس في 1 ديسمبر، ذكرت فيه، من بين أشياء أخرى، أنه قد التقى بأعضاء لجنة السياسات الديمقراطيين في مجلس الشيوخ في آخر شهر سبتمبر وأخبرهم بشكل جاد وواضح "أنه ستكون مصيبة استراتيجية كبرى إذا هوجمت إيران في هذا الوقت." وقد أمر غيتس القادة العسكريين في الخليج أن يكونوا على حذر من أية حادثة قد تؤدي "بالصدفة" إلى مواجهة عسكرية مع إيران ــ وهذه سياسة صائبة إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أن عددا من الضباط السابقين في القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) قد أعربوا عن قلقهم من امكانية وقوع "حادثة من نوع حادثة خليج تونكن" من شأنها ان تؤدي بسرعة إلى حرب شاملة.
علاوة على ذلك، لم يتخلى ديك تشيني إطلاقا عن مخططاته لقصف إيران. فوفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز في 6 ديسمبر، تم قبل إسبوعين من إطلاق تقييم الاستخبارات القومية إخبار موظفين عالي المستوى في البيت الأبيض بشكل مفصل عن التقييم، وشن تشيني هجوما هستيريا على ماورد فيه من اكتشافات ومنها أن إيران قد اوقفت برنامجها التسليحي. وقد كان مقررو مجتمع الاستخبارات على أهبة الاستعداد للرد على تحديات تشيني، قائلين أنهم قد نفذوا تحريات موسعة واستنتجوا ان التقارير الاستخباراتية وعمليات اعتراض المعلومات حول إغلاق الجزء العسكري من البرنامج النووي الإيراني التي بنوا عليها استنتاجاتهم واكتشافاتهم لم تكن عمليات تضليل إيرانية.
وقالت مصادر استخباراتية جيدة الاطلاع على دوائر تشيني أن نائب الرئيس سيركز أكثر من الآن على نشاطات إيران داخل العراق، وسيبحث عن ذريعة بديلة لبدء مواجهة مسلحة مع الجمهورية الإسلامية. في يونيو 2007 تم إرسال الجنرال كيفن بيرجنر، وهو مساعد عسكري سابق لإليوت أبرامز في مجلس الأمن القومي، إلى بغداد لتولي منصب مقرر المعلومات الاستخباراتية. وفقا لصحفيين أمريكيين كانوا في بغداد مؤخرا، قام بيرجنر بضخ سيل من المعلومات "الاستخباراتية" التخويفية وغير المدعومة بالحقائق حول تصاعد النشاطات الإيرانية الداعمة للمتمردين في العراق، وذلك في سبيل إبقاء "الخطة البديلة" لتشيني حية.
عنصر "ميراث بوش"
شدد السياسي الأمريكي ليندون لاروش مؤخرا على وجود عامل مهم في القضية وهو "ميراث بوش"، وهذا العامل قد يكون على أكثر احتمال هو الذي أسهم في بروز الحماسة الجديدة للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وكذلك في نشر اكتشافات تقييم الاستخبارات القومية. ووفقا لمصادر مقربة من أسرة بوش، يبدو الرئيس السابق جورج هربرت والكر بوش والسيدة الأولى بربارا بوش قلقين جدا من احتمالات خروج الرئيس الحالي من البيت الأبيض في ختام فترته بدون أية إنجازات يمكنه أن يعرضها بعد ثمانية سنين في منصبه. إن اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والسوريين والإسرائيليين ستوفر الفرصة الأخيرة والأفضل لانعتاق إدارة بوش وكذلك سمعة وميراث أسرة بوش المعلقان في الميزان حاليا. وتشير مصادر في تكساس إلى جورج بريسكوت بوش (نجل حاكم فلوريدا السابق جيب بوش)، وهو محامي بارز في منطقة دالاس وضابط مخابرات احتياط في البحري، باعتباره النجم السياسي المستقبلي لأسرة بوش.
وجاء تأكيدا "لميراث بوش" ما نشرته مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو الأسبوع الماضي حول قيام برينت سكاوكروفت، مستشار الأمن القومي لبوش الأب وصديقه المقرب، بلعب دور محوري في دعم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في جهودها الدبلوماسية حتى انعقاد قمة انابولس. إن إدخال سوريا في المؤتمر فتح احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي سوري في المرحلة القادمة مباشرة. وقد دعى لاروش إلى دعم مثل هذه الاتفاقية باعتبارها مفتاحا لإعادة بناء الزخم نحو اتفاقية سلام شاملة في المنطقة، على نفس الخطوط العامة لإعلان بيروت الصادر عن الجامعة العربية ودعوة "مجموعة دراسة العراق" في ديسمبر 2006 إلى مؤتمر سلام إقليمي، بالإضافة إلى مبادرة لاروش ذاتها "مذهب لاروش لجنوب غرب آسيا" باعتبارها الخطة الأكثر شمولية لحد الآن لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة والتي تم نشرها لأول مرة في أبريل 2004.
وفقا لما ذكرته مصادر استخباراتية أمريكية رفيعة المستوى، فقد حصل لمرتين من قبل أن كانت اتفاقية سلام إسرائيلية سورية على وشك التوقيع في عامي 1994-1995 وعام 2000. في المرة الأولى ومباشرة عقب انعقاد مؤتمر مدريد عام 1992 وتوقيع اتفاقية أوسلو، وعدت الولايات المتحدة بتقديم ما قيمته 11 مليار دولار في صيغة نظام مراقبة معقد لإسرائيل وذلك لضمان أمنها ضد أي هجوم سوري، وكذلك وعدت بوضع فرقة أمريكية قتالية على مرتفعات الجولان أسوة بالقوة الأمريكية المراقبة في سيناء، حالما تتم إعادة الجولان للسوريين. تمت عرقلة الاتفاقية عند اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في عام 1995.
مرة أخرى في عام 2000، إلتقى الرئيس كلنتون في جنيف برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس السوري حافظ الأسد وتم تقريبا التوصل إلى اتفاق نهائي يتضمن صيغة جديدة لنفس الافكار السابقة. هنالك تحليلات كثيرة ومختلفة حول أسباب انهيار الجهود في جنيف في اللحظة الأخيرة، ولا يمكن التأكد من أي منها. لكن النقطة الاساسية، كما ذكر مسؤول استخباراتي أمريكي عالي المستوى مؤخرا لمجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو، هي "أن اتفاقية سورية إسرائيلية نهائية هي موجودة من قبل وجاهزة بتفاصيلها بنسبة 99% ، ويمكن إنهاؤها في غضون أيام." ويضيف هذا المصدر "أن اتفاقية من هذا النوع ستغير اتجاه الأمور في كل المنطقة بعيدا عن الحرب."
حقا إن الذين رأوا مؤتمر انابولس باعتباره خطوة نحو بناء محور سني عربي إسرائيلي للحرب ضد إيران، قد منيوا بانتكاسة من خلال تصريحات صادرة من السعودية مفادها أن العرب غير راغبين بمواجهة مع "الفرس". وفعلا، فقد ظهر الرئيس الإيراني محمود أحمدينجاد في الرابع من ديسمبر في قمة دول مجلس التعاون الخليجي "ويده بيد" ملك السعودية الملك عبدالله. كانت تلك المرة الأولى التي تتم فيها دعوة رئيس إيراني إلى جلسة مجلس التعاون الخليجي.
حزب الحرب يجن جنونه
وكما هو متوقع فقد جن جنون المحافظين الجدد في واشنطن وحلفائهم من الإسرائيليين من مؤتمر انابولس وتقييم الاستخبارات القومية. ففي اليوم التالي لنشر التقييم، عقد "مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى" مؤتمرا هاتفيا طارئا، وذلك وفقا وكالة التلجراف اليهودية. قال نائب رئيس المجموعة مالكولم هونلاين أنهم سيرسلون رسائل إلى جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية داعية إياهم لتجاهل تقييم الاستخبارات القومية وأن لا يشيروا إليه في نشاطات حملاتهم إطلاقا. وأضاف هونلاين أن منظمته ستركز جهودها على دور إيران المستمر في رعاية الإرهاب العالمي، وهو خط ملازم ومتوازي تماما مع "الخطة البديلة" لديك تشيني.
واستجابت منظمة الأيباك (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة) أيضا فورا لتقييم الاستخبارات القومية بما هو متوقع من التضليلات السفسطائية المعهودة. وأخبر المتحدث باسم الأيباك جوش بلوك وكالة التلجراف اليهودية أن تقييم الاستخبارات القومية لم يبرئ إيران إطلاقا، بل قد أثبت في الواقع أن إيران تسعى إلى الحصول على قنبلة نووية. وقال بلوك "يكشف تقرير الاستخبارات القومية أن طهران مستمرة في خرق دعوات المجتمع الدولي لوقف سعيها للحصول على دورة الوقود النووي والقدرة على انتاج يورانيوم عالي التخصيب، ويستنتج أن إيران تستخدم وتمتلك خطا سريا وغير معترف به وغير مراقب لتخصيب وقود القنابل، وأنها ضالعة في برنامج تسليح نووي، وكل هذا تقييم لم يسبق لأية وكالة استخبارات أمريكية أن قامت به من قبل."
وأصدر عدد آخر من المحافظين الجدد في واشنط تصريحات مماثلة ومنهم نورمان بودهورتز ودانيلا بليتكا في محاولة منهم للتقليل من شأن الاكتشافات، وقاموا بإدانة مجتمع الاستخبارات الأمريكي ودعوا إلى الفعل الجاد ضد إيران.
لكن المناخ السياسي قد تحول في اللحظة الراهنة بعيدا أكثر فأكثر عن صرخاتهم للحرب.
واستجابة لتقييم الاستخبارات القومية نشر مجلس العلاقات الخارجية مسبقا مقالة كان يفترض نشرها في العدد الصادر في شهر يناير/فبراير من عام 2008 من مجلته "فورن افيرز"، داعيا فيه الولايات المتحدة إلى انتهاج "الحوار والتنازلات والتجارة" مع إيران كجزء من خطة أكبر لخلق بنية أمنية واقتصادية إقليمية شاملة في المنطقة بوجود إيران كمساهم رئيسي فيها. ويجادل كاتبا المقال راي تاكية ووالي نصر "أن التعامل مع إيران بينما يتم تقنين قوتها المتعاظمة ضمن ترتيب أمني إقليمي شامل هي الطريقة الأمثل لبث الاستقرار في العراق واسترضاء حلفاء الولايات المتحدة من العرب والمساعدة في إنجاح عملية السلام الإسرائيلية العربية، وحتى لمنح اتجاه جديد للمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.
وفي جواب على سؤال طرح على الكاتبين في مؤتمر عبر الهاتف في 5 ديسمبر حول ما إذا كانا يعتقدان أن إدارة بوش سوف تتبنى دعوتهما لانتهاج استراتيجية شاملة تجاه إيران وتتخلى عن سياسة الثلاثين عام الماضية من الاحتواء والمواجهة ، قال كل من تاكية ونصر أنهما يشككان في ذلك، لكن قبل اسابيع فقط كان معظم المفكرين الاستراتيجيين واثقين تماما من أن إدارة بوش سوف تقصف إيران قبل مغادرة بوش وتشيني البيت الأبيض.
إن أي تحول جذري في سياسة إدارة بوش تجاه إيران، حتى في هذه اللحظة المتأخرة، يعتمد اعتمادا كليا على إخراج نائب الرئيس ديك تشيني من منصبه الآن. فكما يظهر من الزمجرة الصادرة من المحافظين الجدد، يعاني حزب الحرب من انتكاستين مهمتين، لكنهم ليسوا على وشك التخلي عن أجندتهم للمواجهة ـ مالم يتم إخراج رجلهم في البيت الأبيض من المشهد.
إذا كانت أسرة بوش جادة في استخدام السنة القادمة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ميراث جورج دبليو بوش، فسيكون خيرا لهم استخدام نفوذهم الجديد ليضمنوا توجه نائب الرئيس نحو بوابة الخروج ، وكلما أسرعوا بذلك كلما كان ذلك أحسن.